أرشيف

الاثنين، 31 مايو 2010

الـــولــــد اللاجــــئ



تقديم

يعتبر بينجامن زافانيا أحد أهم الشعراء في بريطانيا. فالشاعر الجمايكي الأصل والمتمرّد على السياسة العالمية والرافض للبرجوازية والعنصرية، والذي يهتمُ كذلكَ في شعرهِ بقضايا اللاجئين والأجانب والحروب ومناهضة العنصرية والاحتلال واضطهاد الانسان والحيوانات والقتل والسياسة بجميع أشكالها، اهتمّ كذلكَ بتطوير الشعر الانكليزي وتقديمهِ في قالب جديد معتمدًا على ثقافتهِ الشعرية والتاريخية بالإضافة إلى معرفتهِ اللامحدودة بالموسيقى الأفريقية التقليدية وموسيقى الريغي والراب.

وفي هذهِ الرواية التي نشرها زافانيا في العام 2001، والتي يوجّهها إلى الموالين للعنصرية في بريطانيا والعالم بشكلٍ عام وللأطفال والشباب بشكلٍ خاص، يتحدّث زافانيا فيها عن قصة ولد في زمن الحرب بينَ اثيوبيا وارتيريا، حيثُ أبَ البطل اثيوبي وأمّهُ ارترية، فيقومُ والد البطل بالسفر برفقة ابنه لعطلة في انكلترا بعدَ أن تعرض الثاني لاضطهاد بسبب نصفه الاثيوبي ونصفه الايرتري، إلاّ أنّ البطل يستيقظ ذاتَ صباحٍ فيجدَ أنّ أباهُ قد عادَ إلى اثيوبيا، وأنّهُ تركهُ في بريطانيا كَي لا يموتَ في الحرب.

يقولُ زافانيا أنّهُ كتبَ هذهِ الرواية معتمدًا في حياة البطل على قصص واقعية سمعها في الكثير من مخيّمات اللاجئين في غزّة والجبل الأسود وبعض المخيّمات الأخرى حولَ العالم، بالإضافة لمعرفتهِ بالكثير من اللاجئين السياسيين في بريطانيا ومعظمهم من الأطفال الذينَ لم يبلغوا سنّ الرشد بعد.

كما يقدّم زافانيا في روايتهِ هذِ سياسات تقديم اللجوء في بريطانيا، وفي بعض الفصول، يقومُ بسبّ السياسات البريطانية الداخلية ومعاملتها السيئة للاجئين معتبرًا أنّ سياسة تعامل وزارة الهجرة ذاتها هي خرق لقوانين حقوق الانسان، وان كانَ زافانيا يبالغ في ذلكَ، إلاّ أنّنا في ذاتِ الوقت لا نستطيع أن نعتبرَ أنّ ما يقولهُ جزءًا كبيرًا من الحقيقة.

وقد قمنا مؤخرًا بترجمة الفصول الأولى من الرواية وهنا نعرضُ لحضراتكم بعضَ هذهِ الفصول.



الولد اللاجئ

تأليف: بنجامين زافانيا - ترجمة: محمد مصراتي


أثيوبيا

عندما كان أفرادُ العائلة نيام، حطّم الجنود باب البيت ودخلوا. كانت أسلحتهم بموازاة وجوههم في حركة استعدادية لاطلاق النار، فهرعَ "عالم" إلى حجرة نومِ أبويه، ليعثرَ عليهما بلباس النومِ ووجوههم إلى الحائط، بينما كانَ رئيس الجند خلفَ والدهِ صارخًا في أذنه:

"أي نوعٍ من الرجال أنت؟"

فأجاب والدُ عالم وفي صوتهِ عبرةَ خوفٍ:

"أنا أفريقي".

فنظرَ عالم إلى رئيس الجند الذي تراجع خطوات ووضعَ فوهة سلاحهِ باتجاهِ الأرض مطلقًا عددًا من الرصاصات بمحاذاة أرجل أباهُ وأمه. فصرخَ والدُ ععالم قائلاً: "لا. أرجوك، أتركنا وشأننا، نحنُ فقط نريدُ السلام".

إلاّ أنّ رئيس الجند أكملَ صراخهُ قائلاً: "هل أنتَ اثيوبي أم ارتريي؟ أجبني. نحنُ نريدُ أن نعرفَ من أنت".

"أنا أفريقي" أجابَ والد عالم، فقامَ رئيس الجند بتوجيه فوهة السلاح نحوَه وقال:

"أنت خائن"، ثمّ التفتَ بسلاحهِ إلى والدة عالم وأضاف: "وهي عدوة". ثمّ أدارَ سلاحهُ باتجاهِ عالم وقال: "وهذا ابن حرام".

ثمّ عادَ بسلاحهِ ناحية والد عالم وقال بصوتٍ آمر: "أترك أثيوبيا، أو فلتمت".


ايرتريا

عندما كان أفرادُ العائلة نيام، حطّم الجنود باب البيت ودخلوا. كانت أسلحتهم بموازاة وجوههم في حركة استعدادية لاطلاق النار، فهرعَ "عالم" إلى حجرة نومِ أبويه، ليعثرَ عليهما بلباس النومِ ووجوههم إلى الحائط، بينما كانَ رئيس الجند خلفَ والدته صارخًا في أذنها:

"أي نوعٍ من النساء أنتِ؟"

فأجابت والدة عالم وفي صوتها عبرةَ خوفٍ:

"أنا أفريقية".

فنظرَ عالم إلى رئيس الجند الذي تراجع خطوات ووضعَ فوهة سلاحهِ باتجاهِ الأرض مطلقًا عددًا من الرصاصات بمحاذاة أرجل أمّهُ وأباه. فصرخَت والدة عالم قائلة: "لا. أرجوك، أتركنا وشأننا، نحنُ فقط نريدُ السلام".

إلاّ أنّ رئيس الجند أكملَ صراخهُ قائلاً: "هل أنتِ اريترية أم أثيوبية؟ أجبيني. نحنُ نريدُ أن نعرفَ من أنتِ".

"أنا أفريقية" أجابَت والدة عالم، فقامَ رئيس الجند بتوجيه فوهة السلاح نحوَها وقال:

"أنتِ خائنة"، ثمّ التفتَ بسلاحهِ إلى والد عالم وأضاف: "وهو عدو". ثمّ أدارَ سلاحهُ باتجاهِ عالم وقال: "وهذا ابن حرام".

ثمّ عادَ بسلاحهِ ناحية والدة عالم وقال بصوتٍ آمر: "أتركي اريتريا، أو فلتمتِ".


إنّها حرب

إسمي عالم كـِلو، وأنا افريقيٌ في الرابعة عشر من عمري. كنتُ قد ولدتُ في منطقة بادم. يعتقد بعض الناس أنّها جزء من اثيوبيا، والبعض الأخر يعتبرها جزءًا من اريتريا. وقد قالَ لي والدي أنّها جزء من أفريقيا، وقالَ لي أيضًا أنّهُ لا يوجد في أفريقيا بلدًا أكبرَ من أفريقيا بحدّ ذاتها.

في العام 1991، أي عندما انتهت الحرب الكبيرة. كنتُ آنذاكَ في الخامسة من عمري، وقد انتقلتُ برفقة والداي إلى آسمرا، وهي مدينة كبيرة وعاصمة لإرتريا. وقد قالت لي أمّي أنّنا انتقلنا إلى هناكَ لكي يكونَ بامكاني الذهاب إلى المدرسة وليعثرَ والداي على عمل أفضل. وبالفعل، ذهبتُ هناكَ إلى مدرسة كبيرة بأعمدة ضخمة وقوية، أمّا والداي، فقد حظيا بعمل أفضل: اشتغلتُ والدتي في المحكمة، أمّا والدي فقد حصلَ على عملٍ جيّد في البريد العام.

يجيدُ والدي التحدّث بستة لغات: العربية، الآفارية، التيغرينية، الإيطالية، الإنكليزية والأمهرية. وكذلكَ تجيدُ أمّي التحدّث بهذهِ اللغات، إلاّ نّني أريدُ تعلّم لغاتٍ أكثرَ من هذهِ، بالإضافة إلى تحسين لغتي الإنكليزية.

أحببتُ أسمرا. كانَ عندي فيها العديد من الأصدقاء، إلاّ أنّني عندما كنتُ في العاشرة، اضطررتُ للرحيل برفقة أهلي مجددًا للإقامة في أعالي هضاب اثيوبيا، في بلدة تشرق فيها الشمس لامعةً تسمّى هرار. ووجدتُ هناكَ مدرسةً جديدة وكانَ لي فيها صديق رائع اسمهُ داويت. وقد عثرت والدتي عمل جديد كمحاسبة في مصرف البلدة، أمّا والدي فقد صارَ مديرًا كبيرًا في البريد العام. لقد كانَ والدي أهمّ الموظفين في البريد، وان كانت هناكَ مشكلة ما، فإنّ الكلّ يذهبُ لهُ طلبًا لحلّها. لقد كنّا نعيشُ بسلام حتى بدأت الحرب مجددًا. وبدأت مشاكلنا في التصاعد تدريجيًا:

فقد بدأ بعض الأولاد بالعراك معي في المدرسة. وفي يومٍ أخر عادت أمي للبيت وقالت أنّها قد فقدت عملها لأنّهُ لا أحد أرادَ أن يشتغلَ معها. وقد قالَ لها ربّ عملها أنّها تقومُ بخلق الكثير من المشاكل!! العمّال الأثيوبيون قالوا أنّهم في فترة حرب مع اريتريا، ولهذا فإنهم لن يشتغلوا مع امرأةٍ ايرتريية. كانت أمّي غاضبةً جدًا وهي تحكي لنا عمّا حدث معها. وبعدَ ذلكَ بأسابيع، قالَ والدي لنا أنّ زملائهُ في العمل قد طلبوا منهُ أن يتركَ أمّي لأنها اريترية، وأنّها عدوة لأثيوبيا. عارضَ والدي رغبة زملائه، وظلّ يشتغلُ هناك إلاّ أنني أعتقدُ بأنّهُ كانَ يعيشُ تحتَ ضغط زملائه في العمل. كانَ يعودُ للبيت في بعض الأحيان دونَ أن يتفوّه بكلمة واحدة، وكنتُ وأمّي متأكدان بأنّهُ يعاني من مشاكل صعبة في العمل بسبب الحرب.

وذاتَ ليلةٍ عندما كنّا نيامًا، حطّم الشرطة باب البيت، ثمّ بدأو بتحطيم الأتاث والطاولات والكراسي، وقال قالوا أنّ علينا مغادرة البلاد في الصباح، لأنّ الحافلة ستأخذنا إلى أرتيريا. فقالَ لهم والدي أنّهُ وُلدَ في أثيوبيا، فقالوا لهُ أنّهُ ان كانَ يحبّ أثيوبيا، فأنّهم سيسمحونَ له وقتها بالبقاء، ولكن يجب عليّ ووالدتي الرحيل. قالَ والدي لهم أنّه يحب أثيوبيا ويحب اريتريا ويحبّ أفريقيا. فسألَ أحد رجال الشرطة والدي عن مع من سيقاتل، فقالَ لهُ والدي أنّهُ سيقاتل مع طلبة السلام، فقامَ الشرطي بضربه، حتى بدأت والدتي بالبكاء.

عندما غادرَ رجال الشرطة، بقينا الليلَ كلهُ مستيقظين، وفي الصباح خرجنا إلى الشوارع حيثُ رأينا الكثير من العائلات المهاجرة. معظمهم كانوا يبكونَ وهم يصعدونَ إلى الحافلات المتوجّهة إلى اريتريا. حاولَ والدي التحدّث مع أحد الرجال فصدّهُ قائلاً بأنّهُ لا يتحدّث إلى الخونة، ثمّ قالَ أحد رجال الشرطة لوالدي أنّهُ علينا أن نركبَ احدى الحافلات وأن نتوجّهَ مباشرةً إلى أريتريا. عارضَ أبي ذلك، فقامَ رجل الشرطة بدفع والدتي إلى الأرض، فغضبَ والدي وصرخَ برجل الشرطة، إلاّ أنّ رجل الشرطة رفعَ سلاحهُ بوجهِ أبي وقالَ بلهجة الأمر أنّنا نملكُ فقط خمسة عشرَ دقيقة لصعود الحافلة والذهاب بعيدًا من هنا. فعدنا جميعًا إلى البيت وأخذنا ماستطعنا أخذهُ وأستقلينا الحافلة المتوجّهة إلى اريتريا. وقد كانت الحافلة مزدحمةً بالإيرتريين.

عندما وصلنا إلى ايرتريا، سكنّا في بيتِ خالتي لمدّة تجاوزت الثلاثة أشهر. وبعدَ ذلك، وفي يومٍ من الأيام عندما كانَ والدي يسير في الشارع، كانَ هناكَ شخصٌ ما يرميه بالحجارة. وفي يومٍ أخر، قالت احدى الجارات لأمّي أنّ عليها أن تتركتي ووالدي، وأن تجدَ لنفسها زوجًا أخرًا من اريتريا. وفي المدرسة، كانَ الأولاد يضربونني مجددًا وكانوا ينادونني بـ الأثيوبي. وذاتَ يومٍ، بعدَ الدوام المدرسي حينَ كنتُ أمارسُ الرياضة، ضربني بعض الأولاد الكبار. كانوا في العشرينات من أعمارهم تقريبًا. لكموا وجهي وركلوا بطني. قالَ لي أحدهم وهو يقومُ بضربي بأنّهُ سيمتص كلّ الدم الأثيوبي الذي في جسدي. وبعدَ تلكَ الحادثة، بدأ والداي مشغولان طيلة الوقت فيما يتوجبُ عليهم القيام به.

في يوم عيد ميلادي، قالَ والدي أنّهُ عليّ أخذ عطلة، وأضافَ أنّ العطلة ستجعلني سعيدًا وستساعدني على نسيان كل المشاكل التي حدثت في الآونة الأخيرة. ولأنّ والدتي كانت تبحث عن عملٍ وقتذاك، فقد قالت لي أنّهُ من الصعب عليها أن ترافقنا في هذهِ العطلة، فأخذني والدي إلى أديس أبابا، ومن هناكَ صعدنا الطائرة إلى انكلترا.

كنتُ أعتقدُ أنّنا أتينا إلى انكلترا للاستجمام وقضاء وقتٍ ممتع، ولكي أقومَ أيضًا بالتدرّب على استعمال اللغة الإنكليزية ومشاهدة المباني المختلفة التي كنتُ أراها في الصور، إلاّ أنّ والدي تركني هنا، كي لا أموتَ هناك.

هناك 3 تعليقات:

غير معرف يقول...

nice

Malek Chaouch يقول...

ممتاز مصراتي
ترجمة سلسة ومترابطة

عابد يقول...

اختيار رائع اخي محمد .. نسق متراصف وعرض شيق .. كل افريقي اليوم يريد ان يكون هناك كي لا يموت هنا .. تابع .. ننتظر