أرشيف

الجمعة، 3 ديسمبر 2021

موت محمد

 

S B Ginsburg

صعقت حين سمعت أن الرسول مات. إبن عم أبي، حسين، والذي كان يكبرني ببضعة سنوات، هو من أخبرني الحقيقة التي لم أصدقها ونحن نشوي حمامة اصطدناها قبل قليل وطلب حسين من عابر سبيل في طريقه لصلاة الجمعة أن يذبحها لنا. رحب الرجل الغريب بالأمر، وسرعان ما ندم لما لطخ الدم كُمّ قميصه الأبيض فاضطر للعودة من حيث جاء، دون أن ينبس بكلمة، دون أن ينظر إلى عيوننا، ودون أن يذهب إلى الصلاة

لا أدري كم كان عمري وقتها، دون العاشرة بكل تأكيد، لكن يستعصى عليّ تحديد العمر الصحيح، وهو ما يبدو غريبا لشخص في حالتي؛ أعرف التفاصيل الزمكانية لكل حدث في حياتي، وأسمّي الفترات بأعوامها. علّني صرتُ هكذا بسبب اكتئاب حل بي فأعادني إلى الماضي بتفاصيله الدقيقة، أو لأن التذكر من طبائع البشر منذ بعد الأزل بقليل، أو ربما لأننا نعيش في زمن مشحون بالأنا والذاتية المفرطة والهوية الفردية وغيرها من نتاجات الصحوة النيوليبرالية وحوليات العالم الذي لم يعد لنا. أي من هذه الأمور أقول، أما المهم فيما أود كتابته الأن، أن الرسول مات، "ومن آمن بمحمد فقد مات، ومن آمن بالله، فالله حي لا يموت"، هكذا أخبرني حسين وهو يُستّف قطع اللحم على النار. وأنا منذ تلك اللحظة صرت أحد الذين آمنوا بمحمد وارتدوا عن الدين بعد موته

كان السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه، هو كيف يكون رسولا ويموت؟ كيف أرسله الله ليموت كباقي البشر ميتة طبيعية؟ كيف أقنعَ الناس بأنه رسول وبعدها مات؟ كنت أتخيله ما يزال معتكفا في غار حراء، بعد اعتزال الدعوة والتفرغ للتعبّد كل هذه السنين كما يليق بنبي حقيقي، وأنه لا يقابل إلاّ المسلمين الحقيقيين مثله، مرة في العام، ولهذا يذهب الناس إلى الحج. جدتي قالتها بالحرف الواحد، أنها تريدني أن أكبر لكي أخذها إلى الحجّ لملاقاة أشرف الأنبياء والمرسلين. لكنّ أحدًا لا يقابل الموتى يا جدتي، هذا ما لن تعرفيه، وستموتين أنتِ أيضا ولن تعودي حتى في أحلامي. على الأقل حظيتُ بشرف مصارحتك في موضوع موت الرسول؛ واجهتك بالحقيقة المُرة، وكنت على أمل أنكِ لم تعلمي بعد وأنه سيُغمى عليكِ، أو على الأقل أن تنظري لي بعينين دامعتين كمن أدركت أن لحظة فتح الموضوع والمصارحة بالحقيقة صار ضروريا، كما في المسلسلات التي كنتِ تحبينها، وستقنعينني بأنك أردتِ إخباري وكنت فقط تنتظرين اللحظة المناسبة. أي شيء يا جدتي.. ولكنّ جدتي ضحكت ومضت تعدّ الغذاء، ومضيتُ خلفها لأعدّ السلطة. أمامي قطع خيار وطماطم وجزر، وبينهم سكين، وكل ما عليّ فعله أن أقطعها إلى أحجام متوسطة وأرمي بها في هذا الصحن الأبيض الصغير. لا أحد يأكل سلطتي إلأّ جدتي وأنا. الآخرون يأكلون سلطة جدتي ويتناسون سلطتي، ولكن جدتي تحب سلطتي وأنا كذلك ولكن لا أحب سلطة جدتي، وجدتي كلما أكلت من سلطتي تنظر لي وتبتسم فأدرك أنها لا تحب سلطتي، ولكن هذا لوحده ليس كافيا للتوقف عن المحاولة، إذ كل ما عليّ فعله أن أقطع الخضار بالسكين إلى أحجام متوسطة، وفي هذه المرة حين انتهيت من قطعها سألت جدتي ما لذي تعنيه دعوتها بأن أكبر وأحجّ بها لملاقاة محمد. صلت جدتي على وقع اسمه وقالت: الآخرة، وما هي الآخرة يا جدتي، هي الأرض البعيدة التي نصلها عند انتهاء أعمارنا في هذه الدنيا، ثم نفخت في الملعقة وذاقت الطبيخ لتقيس الملح، وأنا لم أقتنع في الأول لكنني اقتنعت حين ماتت بعدها بكم شهر، وأدركتُ أن مصيرها أن تلتقي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحسين قُتل بعد عقد في حرب على من جاءوا لإقامة دولة محمد، ولم أعلم مصيره بعد ذلك، أو على الأقل صرتُ في ذلك العُمر لا أفكر في مصير الناس بعد انتهاء أعمارهم في هذه الدنيا.

لكن كل هذا لم يحدث بعد. ما زلتُ أجلس قبالة حسين، وحسين ما يزال يشوي الحمامة التي اصطدناها وذبحها رجل كان في طريقه إلى صلاة الجمعة، ولم تخبرني جدتي بعد عن الآخرة وهي تنفخ في الطبيخ، وما زلتُ أنتظر ذلك اليوم الذي سأخذها فيه لملاقاة المصطفى. وكنت أتساءل كيف يصلي الناس الجمعة لو كانوا يعلمون حقا أن الرسول مات، كيف ما يزال في هذه الدنيا خلق وحساب، وفي الآخرة جنة ونار، وما فائدة الذهاب إلى الكتّاب كل صيف وإعادة كتابة السُورِ القرآن. إلاّ في حالة واحدة فكرت فعلا في جدّيتها: أن حسين كذاب، وأن موت الرسول حكاية ابتدعها ولا تختلف عن تلك التي أغراني فيها بأكل كل ثمرات شجرة الرمان دون أن يتناول هو أي واحدة منها، بل ظلّ يراقبني بابتسامة خبيثة حتى انتهيت ليقول أنني وقعتُ في الفخ، وأن جسمي منذ الأن سيتقلص وينحسر تدريجيا حتى أموت منكمشًا غدا. عدت أجري إلى البيت يومها وحسين يجري ورائي يصفق ويغني، وأقمتُ الليل واقفا أمام مرآة الدولاب أترقب لحظة الانكماش

حسين في هذه اللحظة التي يشوي فيها الحمامة يبدو طبيعيا أكثر من اللازم، واثقا من نفسه أكثر من اللازم، وعلى وجهه نفس الابتسامة الخبيثة التي لا تُريح الناظر إليها في لحظة شك. قلتُ له: أخبرني يا حسين، ما دليلك على موت الرسول؟ نظر لي حسين رافعا حاجبيه وأدعى استغرابه أنني ما زلتُ أفكر في الموضوع. ليس هذا فحسب، بل راح يصبغ كذبته بقصص أخرى لا يصدقها عاقل، حول كبر الرسول في السن لدرجة صار يشبه جدي، وعن خطبة الوداع التي راح يلقي اقتباسات منها حتى تحسبه حضرها. لكنني أنا هذه المرة من استعار ابتسامته الخبيثة واحتفظت بها طوال اللحظات التي قصَّ لي فيها عن احداثيات موت محمد، وفي لحظة ما انتبهَ إلى ذلك وسألني عن سبب هذه الابتسامة، فقلت له ما معناه أن يُكمل سرد فيلمه لأنه مثير جدًا. عاد حسين للجلوس وقال أن الحمامة طابت، وإن لم أصدقه فبإمكاني أن أسأل أي واحد خاطم. فكرة بديعة، فكرت، وضرورية، كان عليّ قطع الشك باليقين قبل أن أنهار. حتى الحمامة التي اشتهيت أكلها صارت في فمي باردة وجافة. عدنا إلى الطريق مجددا، ونظرنا إلى الجانبين الممتدين دون نرى أو نسمع أي حس فيها. ثم انشغلنا باصطياد الضفادع وربط سيقانها الخلفية ببعض، وتفرجنا عليها وهي تحاول القفز دون جدوى وبعدها حرقناها.

ثم لما لمحنا شخصا يهرول قادما من بعيد، تركنا اللهو وحشونا الولاعات في جيوبنا وحاولنا تمييز مَن يكون الشخص القادم. قلت لحسين ها هي الحقيقة تقترب، وحينها اقترب الغريب القادم ولمحنا أنه نفس الرجل الذي ذبح الحمامة منذ قليل، ولكنه هذه المرة يرتدي جلبابًا آخرًا، أزرقًا، ومجعّد. حين اقترب أخيرًا صاح حسين متسائلا: يا عمي، الرسول حي والاّ ميت؟ الرجل الذي كان يهرول للحاق بآخر ركعة في صلاة الجمعة والعرق يتصبب من جبينه ودون نية مسبقة للتوقف، كان قد اجتازنا حين سمع سؤال حسين، حينها فقط توقف والتفت إلينا دهشانا ومندهشًا، قال: حسّك شن قلت؟ إقترب منه حسين وهو يشد بيديه طرف سرواله إلى أعلى وردّد السؤال مرة أخرى. نظر الرجل إليه نظرة لوم وعتاب، ثم تساءل عن أي نوع من الشياطين أرسلتنا إليه في هذا اليوم الأغبر، وقبل أن نفهم معنى سؤاله نزل الرجل بصفعة على وجه حسين وألحقها بركلات متتالية على مؤخرته ولم يتركه عند هذا الحد. كان الرجل غاضبا، ممتلئًا بالسم والأسئلة وكلام مشتت عن الحمامة والدم، وكنت أشاهد كل ذلك سعيدا، وأشارك الرجل الغريب غيرته على حياة الرسول.