أرشيف

الخميس، 4 مارس 2021

معلقة القارة العجوز


أول مرة ركبت فيها الطيارة كانت من مطار طرابلس الدولي إلى مطار أمستردام، ومنها بطائرة أخرى إلى أبردين. كان عمري حْداش، وفي حمّام مطار أمستردام صعقت لما رأيت الرجال يبولون في عبوات خارج دورات المياه. خرجت من الحمّام أرتجف وحكيت لأبي عما رأيت. نهرني لتأخرنا عن موعد الطائرة الثانية.

حين عدت لأمستردام، بعد عشر سنوات، وكنت وحدي هذه المرة، دخلت الى حمّام ذكرني بذلك الذي دخلته في المطار لما كنت صغيرا، تطلب الأمر مقدار شخة ووقفة أمام المرآة حتى عادت إليّ ذكرى حمّام أمستردام، وادراكي أنه في الواقع نفس هذا الذي أقف فيه الأن. غريب هو هذا الشعور، أقصد شعور العودة لمكان يقبع جيدا في ذاكرتك، ولكنه يبدو دوما كأنه حلم، ذكرى مُضبضبة، والأغرب هو أن تكون لك هذه الذكرى في هذه البلاد الغريبة، ولو لم تتسع الا لحمّام بمرحاضين وثلاث عبوات للتبوّل.

الصورة الأولى التي أتذكرها لأوروبا كانت من نافذة الطابق الرابع في فندق لم أسأل يوما عن اسمه وسط أبردين؛ في شارع ضيق ينحذر نزولا من "يونيُن ستريت" إلى الميناء، حيث تصطف البواخر التجارية بأعلام كثيرة كانت ترفرف عليها. ومن تلك النافذة في الممر بالفندق، في أول صباح لي في أوروبا، كان بإمكاني أن أرى أسطح البيوت الحمراء المثلثة المبتلة والملتمعة لدى سقوط أشعة الشمس عليها، وعلى مداخنها التي لم تعد تنفث الدخان، وطيور النورس تحلق فوقها، وكل شيء يبدو كما لو أنه انبثق من رسوم متحركة، وجدران الممر وحتى الغرفة الضيقة بالفندق، كانت كإنها مستوحاة من غرفة مستر بين.

تلك الصورة لثلاثة أعوام بعدها قعدت معلقة في بالي، وذكريات اخرى لي في أبردين، بين المدرستين الابتدائية والاعدادية، وفي المكتبة العامة، وفي مركزها الحيوي ومولها الوحيد وحدائقها الخضراء الواسعة، وفي استرجاع حس أول بوسة تمت وسط حراسات مشددة وشهود عيان، لا أدري الأن كيف وماذا ولماذا، فكل ما كنت أجيد قوله وسماعه باللغة الانكليزية بضع كلمات وجمل حدستها ولم أتعلمها، وكانت ستيفاني قد أخذتني من يدي في فترة الاستراحة إلى حمّام البنات، ووراءنا فيلق من البنات والأولاد، أحدهم وقف عند الباب ليحرسنا، وكان اسمه كولن، أتذكره جيدا، أكثر حتى من ستيفاني، واتذكر أنه كل يوم جمعة كان يجيب معه منظومة دمج الموسيقى، وكانت أول مرة أسمع عن شيء ما يُدعى دي جيه، مما يجعل كولن أول دي جيه ألتقي به في حياتي

المهم، كنت أقول، دخلنا حمّام البنات، ووقفت ستيفاني قبالتي، كانت في الصف الخامس، وأنا في الصف السادس، وهي أغمضت عينيها، وقمت كذلك بالأمر ذاته. بعد عشر سنوات، وحين كنت أمسح الغبار عن رف في دكان كتب بلندن، جاءني جو، زميلي، ليعيد رواية حُرمة بترجمتها الانكليزية، وحين سألته عن رأيه فيها قال أنها رواية لا باس بها، الاّ أنه لم يستطع طوال النص أن يتغاضى عن كونها مذكرات مراهقة كتبها رجل خمسيني، قبل أن ينصرف سألني ان كنت قرأت لوليتا. لا أدري لم تذكرت الأمر وأنا أحكي عن بوسة ستيفاني.

أظلمت عندما عدنا إلى ليبيا. وبدأ أول فصول الحنين، والولع في العودة إلى أبردين. طوقني هذا الشعور لثلاث سنوات، وقد بدأت حقا بادخار مصروفي، واعداد خطة ما للخروج من ليبيا والهجرة إلى أوروبا. أشدد هنا على قول أوروبا وليس أبردين، ليس لشيء محدد الا لأنني هكذا كنت أسمي أبردين

وكنت أخبر الأصحاب عن مغامراتي الجنسية في أوروبا طبعا، فلو لم أخبرهم أنني قد نكت هناك، فإنني بكل بساطة سأنتاك، اذ هذا ما كان عليه واقع الحال وحال الناس، وكنت أواجَه عادة بسؤال معقد، كنت قلقا بشأنه منذ البداية: في أي حفرة وضعت زبي لما نكت. الأسطورة المتداولة كانت تقول أن في صرم المرأة ثلاث حفر: واحدة للشخ، وواحدة للنيك، وواحدة للولادة، ولكن لم يخبرنا أحد عن ترتيبها، وحين سُئلت، قلت بثقة: الوسط، فقيل لي كذاب، فقلت ما أدراك؟ وعم الصمت. هكذا صدق الجميع أنني قد نكت بالفعل، تسع مرات.

ذات يوم دخلت محلا للاتصالات قبالة مدرسة حفصة بشارع بيروت المتفرع من هايتي، وملاصقة لكوشة الصنوبر. كان عندي ورقة مكتوب عليها تسع أرقام دولية، كلها لنفس العنوان وتتشابه فيه الأرقام، الا الأخير، نسخت الرقم من رسالة أعطتني اياها ستيفاني في آخر يوم في المدرسة. لم تكن الرسالة رسالة بالمعنى المتعارف عليه، بل عبارة عن ورقة اي-4 مسطرة ومرسوم في منتصفها - لكن منحذرا قليلا نحو اليسار - قلب أحمر، ومحاط به، على الجانبان، الحرفان الأولان من اسمينا، وتحتها رقم التليفون. لكنّ الورقة ابتلت لسبب ما، فمُسح الرقم الأخير وصار يبدو كإنه لطخة. وبناءا على هذا أعددت قائمة بتسع عناوين متشابهة الا في الرقم الأخير، من 1 إلى 9. العامل في محل الاتصالات قال أن هذه المكالمات ستكلفني الكثير. قلت عادي. استغرق الأمر تسع مكالمات على مدار شهور طويلة، ولم ترد في اياها ستيفاني.

طنشت على الأمر لبعض الوقت، لكنني كنت في تلك الظهيرات الطويلة والحزينة أعود للرسالة حاملا معي وجعا وحنين، وكنت أطيل النظر فيها، محاولا فك طلاسم الرقم الأخير، واحتمالات أن لا رقم أخير كان موجودا حقا، وأن ستيفاني خدعتني، أنني ممكن عايش في كذبة لا تختلف أحداثها عن فيلم كنت أشاهده كلما عُرض في احدى قنوات التلفزيون وقتها. لكنني أردع نفسي أخيرا بعد أن أراجعها وأطمئنها بالقول أن من يضع جهدا في اعداد رسالة كهذه، لا يكذب

أطلعتُ ابنة خالتي سُمية على الرسالة ذات يوم جمعة عادي في بيت جدي، بعد أن فكرت بسذاجة طفل أنها بنت زي ستيفاني، وبالتالي ستفهم حل لغز الرقم الملطخ، الاّ أن حدسي قد صاب بالفعل. سُمية التي تكبرني بعامين، والتي كانت تلعق الجيلاطي وفي عينيها نظرة غير مبالية، تفحصت الورقة وشمّتها، ثم رفعتها صوب الشمس وراحت تتفحصها بعين واحدة، بعدها قربتها من وجهها تدريجيا، ولطخت الرقم - الملطخ أصلا - بالجيلاطي، ولعقته، ثم أعادتها لي أخيرا وقالت: صفر

نظرت للورقة مصعوقا وقرأت اللطخة مجددا، وخُيل لي أنه بالفعل صفر، فتذكرت حين قال الله وجعلنا من أمامهم سدا ومن خلفهم سدا، أو شيئا من هذا القبيل، ففهمت الحكمة من الآية الكريمة وقلت سبحان الله. سُمية هي التي اقترحت أن نتصل الأن بستيفاني من تليفون بيت جدي الذي فيه الصفرين، وأنا وافقت واتصلت، ولدهشتي التي ملأت الصالون كله ردت ستيفاني وعرفتُها من صوتها لما قالت هالو.

قلت: الو.. ستيفاني؟

قالت: يس.

قلت: اتز موهامد.

قالت شيئا لم أفهمه. ربما سألتني محمد شكون، أو قالت أنها لا تعرف من أكون، أو ربما عرفتني وسألتني عن الحال دون أن تعلم بأنني على الطرف الأخر من التليفون قد رسبت في مادة اللغة الانكليزية مرتين، وأنني الأن نسيت ترتيب الكلمات في جملة هاو آر يو. كنت أنظر لسُمية، وسُمية تنظر لي وهي لا تزال تلعق الجيلاطي.

- آلو.. ستيفاني؟

- يس

- اتز موهاميد.

ثم كررتْ قول نفس الشي الذي قالته سابقا، وربما أضافت عليه القليل. أتذكر نبرة صوتها والتشويش في الخلفية كلما تحدثت، ثم الهدوء المؤقت الذي يحل كلما سكتت في انتظار أن تسمع شيئا من طرفي. كنت أنتظر على الجهة الأخرى، كما قلت، أنظر لسُمية، وسُمية تنظر لي وهي لا تزال تلعق الجيلاطي.

- الو.. ستيفاني؟

- يس

- اتز موهاميد.

بعد ثلاثة سنوات، سأخرج من البيت في أول صباح لي بمانشستر، العودة أخيرا لأوروبا، وهذه المرة أيضا قيل لي أنها مؤقتة، ثلاثة شهور على الأغلب، ولم أكن أعلم أن هذه الشهور الثلاثة ستمتد لخمسة عشر عاما حسب تاريخ اليوم، أقول أنني سأخرج من البيت في أول صباح لي بمانشستر، واقفا أمام الباب، أنظر للشارع، وإلى فتاتان تتقدمان نحوي وتنظران لي، فابتسمتُ لهما، لتصيح فيّ احداهما: Wat da fuk yu lukin a؟

وبالتالي ليس غريبا أن أول سنوات عشتها في انكلترا كانت كافية لمسح صورة أوروبا المشتهاة في رأسي. صرت أرى هذه الذكرى سذاجة طفل لم يعرف الصورة الحقيقية لبلد أوروبية واختزلها في كلاسيكيات الروايات الأوروبية في مكتبة أبيه ومشاهداته لقناة ديزني، أو ربما كنت أشعر أنني عشت بما فيه الكفاية في أوروبا حتى لم أعد قادرا على رؤية تلك الصورة التي تخيلتها لها قبل مجيئي. لم أكتشف بأن ثمة أوروبا أخرى غير انكلترا الا لما سافرت الى أمستردام للعبور منها إلى القاهرة، على أساس أن تنتهي الرحلة لما أصل إلى الصفوف الأمامية في خطوط قتال، في تدفق حنيني من نوع آخر هو أيضا، اذ أنها الألفين وحداش، وفي تلك العشية والليلة التي قضيتها في أمستردام، أتمشى بين الشوارع المضاءة بالأحمر في دي فالين، فجأة، أدركت أن أوروبا تلك الأن أمامي، في هذه الشوارع، في الدرّاجات، في باراتها المضاءة بالأحمر ومقهى لبيع الحشيش خلتني وأنا فيه أجلس بكافتيريا الحشاشين بباريس منتصف القرن التاسع عشر. أصابتني اوروبا حينها مجددا، لكنني لم أكن أنا الذي كنته في الحادية عشر. كنت في العشرين، وفي الطريق للقتال والاستشهاد، ومسألة اوروبا ومخيلتي تجاهها ضرب من الخيال، في تلك الليلة وأنا أتنقل بين الزناقي الضيقة في المساحة الحمراء، حسبتني كما لو كنت في البرزخ، أعيش أوروبا التي كانت في مخيلتي، يوتوبيا تتهادى، وأسمع صوتا يناديني من الخلف بالعربية، وألتفت. فتاة ترتدي زيا شفافا وخفيفا، تبدو خلف الباب الزجاجي الصاخب اضاءته النيون كأنها سيرين. قالت تعال. لم أسألها كيف تعلمت العربية الا لما كنت مغادرا، فقالت أن زوجها عربي. ثم تمنت لي مساءا طيبا وأعادت فتح الستار.

لا أدري فعلا الدافع لكتابة كل هذه الذكريات وما حتى علاقة اياها مع الأخرى لكنني أفكر في المطارات وفي أوروبا كفكرة تتهاوى وأبردين وستيفاني والحمّام بمطار أمستردام وسُمية وهي تلعق الجيلاطي وحتى في الفتاة التي قالت لي "وات دا فاك يو لوكن ات" لما حطيت أول يوم بمانشستر واسمهابالمناسبة - أماندا والحق يقال أنها كانت بنت بلاد حُقانية من لاخير يالاخر كما يقول الليبيون وكما قال الشامية في الفيديو الشهير. أفكر في كل هذا الأن وأنا جالس في مطار أمستردام الدولي، أنتظر الطائرة المتأخرة لساعة ونصف، وبإمكاني بطرف عيني أن ألمح الدرج في زاوية قاعة الانتظار، والذي يؤدي الى الحمّام، وأنظر لتلك البقعة التي وقف فيها والدي أسفل الدرج في انتظاري، قبل عشرون عاما، وألمح نفسي أخرج من الحمّام نازلا الدرج مفكرا في رحلتي القادمة لليبيا، قبل عشرة أعوام.

المسودة الأولى من هذا الشيء كتبتها في يناير الماضي، 2020، في مطار أمستردام، وأنا تحت تأثير هذيان حمى أصابتني من لما كنت قادما إليها، مصاحبة بكحة بغيضة أسفرت عن التهاب في صدري. شريكتي قطعت استرسالي أثناء كتابة الفقرة السابقة، حين قرأت بصوت عال خبرا حول وباء انتشر في الصين. كان دافعها لقراءة الخبر الذي اطلعت عليه للتو في تليفونها، أن أعراضه تشبه هذه التي عندي، أنا الذي في أمستردام. ضحكنا لطرافة الأمر وتشابه الاعراض، وشاركَنا المزاح راكب آخر كان يجلس بالقرب منا وكان مريضا هو أيضا وعنده نفس الأعراض. ضاع مني حبل الأفكار الذي ابتدأ لدى تأملي الدرج الذي يؤدي إلى الحمّام، وأبي الذي وقف يوما ينتظرني عند الباب

أخر الكلام، ما قاله بولانيو في ختام "ليل تشيلي": واندلعت عاصفة الخراء.