أرشيف

الثلاثاء، 25 مايو 2021

التاريخ السري: مقتطف من مقال طويل

 



[..] بدأ الأمر طبيعيا في الأول، أو هكذا تخيلت، فهذه العادة في جمع الصور والمخطوطات والخرائط كانت ضمن مشروع عمره ستة عشر عاما، أحاول فيه جمع كل ما أتيح لي من الأرشيف الليبي المتوفر على الشبكة. بدأ هذا الأمر تحديدا في 2006، حين راودني الفضول لمعرفة التاريخ السري لليبيا، التاريخ الذي لم نعرف عنه شيئا، وكان اكتشافه والبحث عنه أشبه باحساس الشكّاك بوجود الله في صورته السائدة حين يكتشف لأول مرة أن في هذا العالم أناس آخرون يشككون أيضا في احتمالية وجوده.
كنت في الخامسة عشر من عمري حينها، أو ربما في السادسة عشر، ولم يدم وقت طويل منذ قدمت لمانشستر، وبالصدفة ذات يوم عثرت في المكتبة العامة القريبة من البيت على قسم متواضع للكتب باللغة العربية، وكانت صنفا معتبرا حقيقة، وفيها عثرت على كتاب عنوانه الاسلام في الأسر، لمؤلف تذكر سيرته على الغلاف الخلفي أنه من ليبيا، وأنه يدعى الصادق النيهوم، مرفقا بعنوان جانبي يتساءل فيه عمّن سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة. حين سألت أبي في نفس اليوم ان كان يعرف الصادق النيهوم، قال بالطبع يعرفه، واستهجن كيف مانعرفاش.
في الواقع، الكاتب الليبي الوحيد الذي عرفته في ذلك الحين كان علي مصطفى المصراتي، وأيضا الشاعر علي صدقي عبدالقادر، فقط لأنني كنت أراهما يوميا يطوفان نفس الشوارع بوسط البلاد، عجوزان هرمان، يمشيان شاردين ويراقبان الأرض كما لو كانا يتعقبان أثرا ما. الأول يتأبط تحت ذراعه رزمة كتب وكراريس وجرائد، والثاني يضع وردة حمراء في جيب جاكيته الرمادية، الأول كنت ألاحقه يوميا لأعطيه ملخصات روايات حنا مينة باعتبارها قصصا قصيرة ألفتها لأطلب رأيه فيها، والثاني كلما رأيته أنادي بصوت عال "يحيا الحُب"، ليس ردا على قصيدته، بقدر ما كانت تقليدا لتقليد حاتم الكور له في الاسكتش الرمضاني الشهير.
لكن لم يسبق لي أن سمعت بكاتب ليبي آخر، حتى النيهوم، فعدت الى المكتبة العامة في اليوم التالي وحجزت جهاز كمبيوتر موصل بالانترنت. فتحت صفحة للكيبورد العربي ورحت أنقر في الشاشة اسم الصادق النيهوم، نسخته ولصقته على شريط محرك البحث. في النتائج وجدتني في موقع على واجهته علم من ثلاثة ألوان: أحمر، وأسود وأخضر، ويتوسطه نجمة وهلال. كانت المادة المتوفرة مقالا يتناول سيرة الصادق النيهوم وتحولات كتاباته، ويركز على الستينيات في ليبيا وعن ظاهرة باتت تتفشى بين الشباب اسمها النيهوم.
بعد قراءة المقال دخلت الى صفحة الموقع الرئيسية، واثار انتباهي أن كل المواد فيها تخص ليبيا، وأن أكثر عناوينها نقد للقذافي واللجان الثورية، وصور بالأبيض والأسود لوجوه ناس على حواشيها إشارة الحداد. كان اسم الموقع من ذاك النوع الذي يبدأ بليبيا متبوعة بمصطلح تعبيري، وهي من المواقع التي لا تُفتح عند الدخول اليها من ليبيا. حين سألت أبي في نفس اليوم عن هذا العلم، بعد جهد في محاولة تذكر ترتيب ألوانه، قال أن هذا علم الإستقلال، وبالطبع استهجن كيف مانعرفاش.
وهكذا كانت تلك أول مرة أسمع فيها عن الاستقلال، وعن المملكة، وعن الملك، وعن السنوسيين، وتأكدت بأن القذافي ليس من حرر الليبيين من الطليان والانكليز كما علمونا في المدارس وفي محاضرات الأسبوع الثقافي.
كان لاقامتي في مانشستر وفترة الانبهار بأوروبا الديمقراطية تلك ارتباطا بالمرحلة التي اكتشفت فيها ما صرت أسميه "التاريخ السري". خلق توحد الأمرين شيئا أشبه بالغشاء الوردي الذي انصب على مرحلة الاستعمار. وحين عثرت على صور للّيبيين يستقبلون موسيليني في احدى زياراته لطرابلس بالأذرع المرفوعة واليافطات المرحبة بكازي روما، أدركت أن ثمة تاريخا آخر لا نعرفه، وأن الاستعمار قد يكون مجرد بروباغاندا، ولأنني في تلك الفترة بدأت التدوين للتو، كان من الضروري أن أعبّر عن صدمتي هذه بنشر الصور التي عثرت عليها في تدوينة لها عنوان تهكمي: "جهاد الليبيين ضد الاستعمار الايطالي". جادلت طويلا مع المعلقين على التدوينة، المتفهمين لغضبي والمخوّنين، ومركّزا في ردودي على كمّ الكذب الذي تلقيناه في التعليم، ومشكّكا في كل شي يروّج له النظام الحاكم، حتى تاريخ البلاد مع الاستعمار.
لم أكن أعلم بعد، أن الأمور أعقد من ذلك بكثير.
المهم.. مازال ملف كازي روما في مكانه، بالقرص الذي أحفظ عليه صور ليبيا وخرائطها ومخطوطاتها، في ملف عنوانه "التاريخ السري".


مقتطف من مقال طويل عن تاريخ وسط البلاد



ليست هناك تعليقات: